الرئيسية > مقالات

الوعي الطفولي بالاحتلال

الوعي الطفولي بالاحتلال

12 آب (أغسطس) 2018

الوعي الطفولي بالاحتلال

بقلم :محمد سالم داهي

قدر لي ان اكون من جيل ولد مع اندلاع ثورة شعبنا في بدايات السبعينيات من القرن الماضي ، جيل يحمل ذكريات سوداوية عن قمع قوات الاحتلال المغربي . فلازالت صور درامية تسكن ذاكرتي ولعلها شكلت بدايات ارهاسات الوعي لدي كطفل ، ففي أواخر سنة 1978 أو بداية 1979 كنت أبلغ من العمر خمسة سنوات كانت الاخبار تنتشر بسرعة كالنار في الهشيم حينها رغم غياب كل وسائل التواصل الموجودة اليوم . راج خبر قتل شابة صحراوية على يد مستوطن مغربي كان يعمل لدى عائلتها في البيت، حاول الاعتداء عليها وحينما قاومته قام بطعنها بسكين ،ولإنه مستوطن منعت السلطات المغربية كل أشكال الحزن . كنا نقطن غير بعيد من منزل الضحية ذهبنا كان الحضور مسموح فيه للاطفال والنساء فقط ،نساء الحي اللواتي حاولنا تكسير حاجز الخوف جئن يرتدين السواد و ينحبن في صمت مشكلين صفا طويلا من منزل عائلة الضحية حتى الازقة الاخرى كان المشهد الدرامي تعبير عن وضع ما فالحزن والنحيب ممنوع اما الاحتجاج على الغريب الذي قام بجريمته فذاك اعلان للمس بالمقدس يؤدي بصاحبه للمجهول ،فلم يكن غير الصمت والسواد كتعبير ضد الظلم والتسلط ، هذا الشكل كان لوحة تنقش في ذاكرتنا نحن الصغاراشياء كثيرة ابلغ ربما من الكلمات، امام منزل العائلة كانت سيارات الشرطة المغربية وسيارة اسعاف ولاوجود للرجال غير شخصين او ثلاثة من ابناء العائلة ، حضور الرجال في هكذا مناسبات كان يعني اعلان موقف يستوجب من اجهزة الاحتلال اختطافهم ورميهم نحو المجهول ،في تلك السنوات كان مجرد دخول سيارة اندروفيل الشرطة الحي اعلان عن اختطاف سيسمع صداه بعد حين ، كان شكل وحركة النسوة الصحراويات امام منزل عائلة الضحية تعبير اخترنه واجمعن عليه في صمت للتنديد بالجريمة ، المشهد كاف لاعطاء صورة عن العدالة المغربية وعن القمع المغربي حتى في قضايا حق عام وان كانت الجريمة تشكل شيئا اكبر يتجاوز ذلك الى ما هو اعمق كجريمة ضد انسانية شعب اعزل . هذا المشهد الصورة اضافة الى لعبة اشرطة الكاسيط من الاشياء التي ظلت عالقة بذاكرتي و التي طرحت لدي تساؤلات عديدة ، كنا صغار نسعد برؤية عائلاتنا تقوم بتكسير اشرطة كاسيط والحسرة تملؤهم ،شعورهم هذا لم نهتم به بقدر اهتمامنا بسجل الاشرطة الصغيرة التي كانت لعبتنا المفضلة فتمزيق الاشرطة كانت ظاهرة ذلك الزمان،حتى لا تصل اليها الاجهزة الامنية وتذهب العائلة بكاملها للمجهول ،السجلات الصغيرة للشرائط كنا نرمي بها فوق الاسلاك الكهربائية ونسعد حينما نحقق نشوة الوصول الى الاعلى ، كان الافق امل لنا ولازال منذ الصغر نكبر ويكبر معنا الايمان بامل النصر،منا من فارق الحياة ونظراته ثاقبة نحو السماء مؤمنة بامل افق النصرمعادلة يبدو ان الاحتلال صعب عليه فهمها واستعابها. كنا نلعب بتلك الاشرطة الصغيرة دون ان نتساءل عن سبب تكسيرها ، رغما اننا نستوعب انها لشئ ممنوع إذ كانت في الغالب لأغاني صحراوية .فمسألة الهوية ظلت اساس الصراع و مجال التعبئة فرغم تكسير اشرطة الاغاني /الهوية لم يمت الوطن فينا ولم يستطع الاحتلال ان يغزو هوية الصحراويين ، كان صراع إرادة الوطن إرادة الحرية يعتمد بالاساس على بناء الهوية والحفاظ عليها في إطار صراع غير متكافئ صراع مع الاحتلال صراع مع ارادة التوسع ارادة الرعب والموت ومحاولة تدمير القيم والتراث، كان الوطن يحيى في صمت عبر الاعتزاز بالهوية والحفاظ عليها بوسائل بسيطة استطاعت ان تحيى وتنمو في ظل حصار قاهر ظل لعقود يحبس انفاس شعب اعزل.

التعليقات

any other left block

صوت وصورة

المزيد من الأخبار