الرئيسية > مقالات

مساهمة في النقاش السوسيولوجي حول قضية الصحراء الغربية -2-

مساهمة في النقاش السوسيولوجي حول قضية الصحراء الغربية -2-

26 نيسان (أبريل) 2018

بقلم : حما الولي

ليس من اليسير على البحث الفردي أن يتناول موضوعا من حجم الذي نحن بصدد المساهمة فيه، كما ليس سهلا مقاربة مختلف القضايا والاشكالات التي يطرحها موضوع من هذا النوع، وتقتضيها تفرعاته المتداخلة، وانفتاحه المتنوع. لذلك وجب علينا التنويه إلى أن المساهمات التي سندلي بها في هذا النطاق، هي فقط عبارة عن محاولة لتشكيل فرضيات نظرية تساعد على كسر صمت الباحثين السوسيولوجيين الصحراويين، وزعزعة معتقدات السائد في الصحراء الغربية، وكذا تشييد صرح خطاب سوسيولوجي علمي بناء وهادف.
تاريخياً؛ تم بناء " المشروع الفكري الاستعماري " من خلال مصادر معرفية متعددة ضمن المجال الترابي " للعالم الثالث " عامة، والدولة المغربية خاصة، إذ هناك مصدرين أساسيين سأقتصر عليهما هما : " الأرشيفات المغربية " الذي خصصها أصحابها لثلاث موضيع رئيسية وهي : الادارة المغربية ( أي المخزن )، ومونوغرافية حول قبائل الشمال ( البنيات الاجتماعية والسياسية للقبائل )، وترجمة وثيقة " اكتساح منطقة اتوات ". أما المصدر الثاني لهذا " المشروع " يتجسد في مقالات الأب الروحي " للبعثة الاستعمارية الفرنسية " لو شاتوليي Le Chatelier " التي كانت تدعى " سياسة المخزن وسياسة القبائل ".
مما لا مماحكة فيه؛ شكلت هذه الكتابات – التي تدعي العلمية – ارضية خصبة لتحفيز العديد من الباحثين الانثروبولوجين والسوسيولوجين والمؤرخين ذوي الخلفية الاستعمارية، على بحث موضوع كيفية نشوء السلطة في القبائل والمؤسسات المتفرعة عنها، ودراسة المجتمع المغربي اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، علاوة لانكبابها على التعمق في مفهوم المخزن وبنياته وعقليته، وكان من أبرز هؤلاء العلماء " ميرسي Mercier " و" ميشوبيلير Michaux-bellaire " و" دالوز Dalloz " و" سلوش N.Slouch "، وغيرهم الكثير.
وفق هذا السياق؛ جاء تطبيق " النظرية الانقسامية " على المجتمعات المغاربية من طرف انتربولوجين وسوسيولوجين وعلماء السياسة الانجلوسكسونين، حيث نجد على رأس هؤلاء " إيفانز بريتشارد Evans-Pritchard" في كتابه " Les Nuer "، و" دايفيد هارت David M.hart " في كتابه الذي يدرس قبائل بني ورياغل الريفية، وكذا ايت عطا ودكالة " Segmentry systems and five fifths in the rural Morocco "، بالإضافة إلى " ايرنست كلينر Ernest Gellner " في كتابه " Saints of the Atlas ".
وعلى هذا الأساس؛ يعتبر هؤلاء الباحثين أن المجتمعات الانقسامية هي مجتمعات تنقسم بصفة لا متناهية، بحيث أن الاجزاء المتولدة عن هذا الانقسام تتماثل فيما بينها، ويتم إعادة انتاجها بإستمرار ( عبد اللطيف اكنوش، السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الامس واليوم، 1988، ص : 29-31 ). زيادة على ذلك؛ فإن المجتمعات الانقسامية لا تنشطر فحسب، بل هي قادرة على القيام بخاصية الانصهار. إذا ما علمنا أن المجتمع في أصله حسب هؤلاء، كلٌ مجزأ له نظام خاص يستطيع الحفاظ على استمراريته دون سلطة مركزية.
بعد هذه الاطلالة النظرية، نعود إلى التشكيلة الاجتماعية الصحراوية لنسائلها عن الطابع " المشاعي " للسلطة، عن طريق طرح الإشكال الآتي :
** كيف تمت المحافظة على النظام في المجتمع الصحراوي " القبلي " ( القصد من قبليي هنا في حقبة سيادة القبيلة ) بإعتبار أن سلطة الدولة غائبة أو كانت في مراحل النشوء ؟
وبعد إقرارنا بأن هذه الكتابة لا تعطي أجوبة، بقدر ما تساهم في بناء فرضيات علمية متماسكة لا تخلو من إيديولوجيا. أقول أن التشكيلة الاجتماعية الصحراوية تعد تجربة متميزة، مبرر ذلك بأن القبائل الصحراوية كانت تعطي عملية صناعة قرارها إلى من توفرت فيه شروط معينة، منها أن يكون " كبيراً "، لا ريب أن هذا المفهوم لا يرتبط بالسن، ويطرح صعوبة في إيجاد تعريف له، إذ هو منظومة من القيم التي يتوفر عليها " قائد لقبيلة، أو شيخها ". " فالكبير " إذا؛ من علية القوم في القبيلة، عرف هو واباؤه بالدفاع المستميت عن مقدسات القبيلة، وحدودها وكل ما تملك، فهو حاضر بكل الأشكال والدلالات داخل كل صغيرة وكبيرة في القبيلة، بل له رمزية داخل القبيلة وخارجها حينما يكون في صدد مزاولة مهامه " الدبلوماسية " إزاء القبائل الاخرى. فأين يمكن أن تظهر نظرية الانقسامية في شكل القبائل الصحراوية ؟
أفترض أن القبيلة الصحراوية هي كلٌ اجتماعي مجزأ، يظهر ذلك جلياً بالرجوع إلى تاريخ القبائل الصحراوي المليء بالأحداث، التي قد تبرر هذا الطرح. - رغم محاولة إخفاء هذه الحقائق اليوم، وهي مسألة لها اعتباراتها السياسية، ولكن لا يوجد لها مبرر علمي يجعلنا نذكر جزء من الحقيقة، ونخفي ما تبقى منها، الحقيقة هي كل متكامل لا يقبل القسمة. – حيث أن القبائل الصحراوية في ما بينها كانت تدخل فيما كان يسمى " بغزي " تهجم قبيلة أو مجموعة من القبائل على قبيلة أو قبائل أخرى، تارة طلباً لثأر قديم، وتارة أخرى لتوسيع نفوذ القبيلة تجاه القبائل الأخرى، وطوراً بمبرر، وأطواراً أخرى بدون مبرر. المهم في الأمر أن القبيلة في وقت الحرب تُظهر تماسكاً وانسجاماً قل نظيره، مع العلم أن هذا الانسجام يخفي تحته الكثير من الانقسام، فالقبيلة الصحراوية في ذاك الزمن إذا كانت 70% من سلالتها أصلية، فإن فيها أيضا نسبة من الأفراد انصهروا داخلها عقب انهزام قبائلهم ضد القبيلة المحتوية لهم. ومسألة الإنقسام لا تظهر دائما ودون مبررات، فغالبا ما تكون هناك دواعي جعلت مجموع هذه الحقائق تطفو على سطح الفضاء العام لصناع قرار القبيلة أو أفراد القبيلة العاديين.
ويتجسد ذلك بصيغة واضحة، حينما نفهم جيداً انثروبولوجيا القبيلة لدى الانقسامين انفسهم، والتي ساهم الدكتور عبد الله حمودي في تبسيط احدى افكارهم المحورية بالقول : " تكون الأجزاء المتداخلة بنية شجرية تمتد فروعها انطلاقاً من القمة. وتزداد تشعباً في اتجاه القاعدة، وهو تشعب يفرز في كل مستوى وحدات متميزة ومتكاملة في آن واحد. وهكذا تتفرع من جد مشترك عدة خطوط أخرى. وهكذا دواليك إلى المستوى الأدنى : ومستوى الأسر ". ( عبد الله حمودي : الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والولاية : تأملات حول مقولات كلينر، مجلة دار النيابة، 1985، ص : 38. )
لقد اعتبرنا الرجوع إلى التاريخ مفصلاً مركزياً للامساك بالعناصر الفاعلة في تكون القبيلة، وشيخها، والنظرية الانقسامي، الوازنة في تراكم تجاربهم التاريخية، كما سنلامس في القادم من مقالات الامكانات القادرة على تمكننا من مطابقة النظرية الانقسامية على الواقع التاريخي للقبيلة في الصحراء الغربية.
يتبع ...

التعليقات

any other left block

صوت وصورة

المزيد من الأخبار