الرئيسية > مقالات

"هل يموت من هذا أثره فينا؟" في رثاء الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز.

"هل يموت من هذا أثره فينا؟" في رثاء الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز.

1 حزيران (يونيو) 2016

"هل يموت من هذا أثره فينا؟"

في رثاء الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز.
محمد اسلامة الدّاهي..

نزل الخبر صاعـقا، مدويّا ومفاجئا، مع علمي بأن الرئيس الشهيد كان يصارع مرضا عضالا. ورغم يقيني بأن الأرواح بيد الله، فإن الخطب كان شديدا أشعرني لوهلة بسوداوية تستقر في القلب لتحيله مرتعا للحزن والألم. تلك اللحظة الرمادية الحزينة أحالتني دون أن أدري إلى قول أبو فراس وقبله عنترة؛ "...وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر". لكنني سرعان ما تمالكت نفسي وتمعنت في مدلول الكلمات وعرفت أنها أبعد ما تكون عن حالي/ حالنا؛ ذلك أن الشهيد محمد عبد العزيز لم يتركنا في ليلة ظلماء أبدا، فقد ناضل وصحبه، أربعون سنة ليخرجوننا من حلكة التخلف والتشرذم و الجهل، وقادنا إلى آفاق أرحب وقد أصبحت هوية الشعب الصحراوي حقيقة ناجزة باعتراف العالم أجمع، ودولة قانون ومؤسسات تحارب على أكثر من جبهة لاستكمال سيادتها.
فكيف نفتقد بدرا وهو يضيئ سماءنا انجازات ومواقف؟ كيف لنا أن نفتقد الرجل وخصاله ومناقبه الحميدة محل إجماع الصحراويين؟ فهو القائد الميداني في الوغى الذي يتقدّم الصفوف غير هيّاب، وهو القائد السياسي المحنك، الصبور، المتواضع، ربّان السفينة الذي خاض عباب بحر التحديّات و أعاصير الأعداء بثبات المقاتل الصنديد مجدول بمرونة الحكيم وبصيرة الموقن بالنصر وببعد نظر استرشد بتبصّر راكمته الخبرات و التجارب و المحن طيلة سنين قيادته للثورة و للدولة.
فكيف نفتقد الرجل وآثاره بيننا تحدثنا عنه وتتحدث إلينا؟
هو الحضور ماثلا بيننا بقوة وعنفوان وشموخ؛ حضور الفعل والأثر والذكرى. لقد تمثّل مقولة رفيق دربه وصاحبه " إذا أرادت القدرة الخلود لإنسان سخّرته لخدمة الجماهير" فسخّر نفسه كل نفسه و وهب روحه كل روحه خدمة للشعب وللقضية.. خاض الخطوب و معارك الشرف وكان مقداما غير هيّاب كمّن يراود الموت في تحدّ غريب لفت انتباه من معه من المقاتلين، وكم هي تلك الذكريات التي يسردها رفاقه في الوغى حيث وصل بهم الأمر حد "التآمر" عليه لثنيه ـ دون كبير جدوى ـ عن إقدام يستهزئ بالموت أو ينشدها. وحين قيّض له أن يتولى دفة قيادة سفينة هذا الشعب ومشروعه بذل الرئيس الشهيد سنوات عمره راضيا من أجل الشعب والقضية؛ فكان المناضل الغيور على المشروع الوطني؛ حارب و وفاوض واستبسل و قاوم، وفي كل ذلك استرشد محمد بحرص لازمه في طيلة مسيرته النضالية عنوانه؛ كل شيئ يهون من أجل أن تبلغ سفينتنا برّ الأمان.. ولكي تصل السفينة برّ الأمان كان لابد أن يحرص على تعزيز اللّحمة وتغليب وحدة هذا الشعب على ما عداها من "أهداف مرحلية". الوحدة بالنسبة إليه كانت صمّام الأمان، فبذل قصارى جهده على تجسيدها على أرض الواقع ميزانا دقيقا حسّاسا، لكنه ضروري للوصل إلى الهدف/برّالأمان.
محمد الإنسان باق بقاء أثره في النفوس والقلوب التي بادلته حبا بحب، فهو الإنسان الأريحي الودود؛ تواضع للناس فزرعـوه في قلوبهم شجرة باسقة شامخة، حرص على أن يكون قريبا من همومهم فوجد طريقه إلى قلوبهم.. حريصا على الإلمام بكل شاردة و واردة تهمّ أفراد الشعب يحاول جهده المبادرة إلى التخفيف من أعـباء الحياة الصعبة التي يشاطرنا تفاصيلها.
محمد محارب وظّف جلده وصبره المكتسب من معارك الوغى في معركة السلام، وقد شهد له العالم رجل سلام يرتاد كل سبيل إلى السلم العادل والنزيه، ويحاول جهده تأجيل الإحتكام إلى لغة البنادق ما ظلّت بارقة للسلام تلوح في الأفق.
واليوم يرحل الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز بشخصه بعد أن بذل عمره، كلّ عمره في سبيل أن ينعم هذا الشعب كل الشعب، في الملاجئ، والمناطق المحتلة و في السجون المغربية وفي الشتات، بحياة كريمة في ظل دولته المستقلة.
رحل اليوم في شهر ماي، شهر الثورة حيث اللقاء بالموت الذي راوده غير هيّاب في جبهات القتال، ومن المفارقة أن يكون لقاءه بالموت امتداد لحياة الخلود، فقد أضحى بدرا في سمائنا، بدرا ينير طريق سفينتنا وبرّ الأمان نراه بعين اليقين في مرمى حجر.
في يوم ارتقاء روحه إلى بارئها تتراجع معاني الموت المرادف للعدم والفناء و النسيان لتتخذ ـ وتلك مفارقة ـ من معان مضادة كالخلود والبقاء والنور؛ خلود وبقاء وإشعاع الذكرى، حلة لها، حلة الرحيل البهيّة.
اليوم تستحيل العيون والقلوب والأرواح الصحراوية موّال حزين يستحضر الرحيل الصادم؛ فالعين اليوم تدمع والقلب يحزن والروح محزونة لفراق رجل رصد له القدر مصيرا تماهى فيه بالأرض وناسها الطيبين فكان عنوان التماهي خلود في القلوب وذكرى عطرة، حيّة أبدا ترصّع أنصع صفحات تاريخ شعبنا على مر العصور.
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنّا على فراقك ـ يا محمد ـ لمحزونون.
رحمة الله عليك وغفرانه. وحشرك مع الأبرار والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

التعليقات

any other left block

صوت وصورة

المزيد من الأخبار