الرئيسية > أقلام حرة

 مرثية لآخر الرجال المحترمين،بقلم محمد يسلم بيسط

مرثية لآخر الرجال المحترمين،بقلم محمد يسلم بيسط

24 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

الصديق العزيز٫ والرجل النبيل حفظ الله محمد يحي
لماذا تغادرنا هكذا و تتركنا وراءك؟ لماذا تمشي و تأخذ معك الطيبة والإخلاص و النبل وكل القيم الجميلة؟ ماذا سنفعل بعدك؟ من سنزور؟ من سيبتسم في وجهنا دائما و يخفف عنا أحزاننا؟ من هو الصادق النبيل الذي سينصت لنا؟ والذي لن ينحاز لأحدنا ضد الاخر؟ لم يبق بعدك أحد يستحق أن نسميه الصديق، أو الأخ المقرب أو الإنسان الحنون. إنني أرثي المحبة بذهابك و أرثي العلاقات الرفاقية النبيلة التي لا يبدلها الزمن ولا الأشياء التافهة٫ إنني أنا و الأولاد علي سالم والغالية الصغيرة لن نجد بعدك من يلعب معنا٫ و من يصبر علي مقالبنا الصغيرة وينصت لنا بحنان٫ بل من يبكي لآلامنا و يفرح لأخبارنا اليومية الصغيرة.
حفيظ٫ أنت تدرك جيدا خلفياتنا٫ تعرفنا جميعا واحدا واحدا حق المعرفة٫ هل غادرتنا لأنك تعبت من خياناتنا الصغيرة و حروبنا الودية و تفاهات عالمنا الزائل؟ نبلك و طيبة قلبك يمنعانك من البقاء في الوحل العاطفي و في دنيانا المبللة؟ ولكن أين سأذهب انا و ملد؟ بمن سنتصل؟ من يلعب معنا؟ اين سنجد النصوحة؟ مع من سنضحك بعدك؟ من سيبلغنا آخر النكات والقصص الغريبة التي تجمعها من عند محمد الشيخ و اباه؟ ماكان لك ان تذهب يا صديقي العزيز هكذا و تتركنا لبطش الدنيا و تفاهات الحياة.
عرفتك طالبا شديد الذكاء٫ خارق القدرات الذهنية٫ ثم أستاذا مجدا تطير الأخبار بمعارفه و مواظبته. ثم بعد ذلك عرفتك أكثر طالبا جامعيا مميزا٫ وبعدها إقتربنا من بعضنا البعض أكثر خلال مرورك المتكرر بالجزائر العاصمة أيام كنا شبابا نري الدنيا تمر كالسحاب امامنا ثم نضحك منها وعليها٫ ثم نضحك من اهلها. بعد ذلك تجاورنا وكنت نعم الجار الكريم المضياف الذي يبقي بابه مفتوحا دائما لنا جميعا٫ كانت سيارتك لنا٫ كان بيتك بيتنا و ملابسك لنا٫ كنا نغسل ملابسنا في بيتك و نغسل قلوبنا بطيبتك من أدران الكراهية و الحقد و الحسد٫ كنت الجامع و الموحد تبتتسم دائما و محياك المشرق يضي أيامنا فرحا و كرما و دماثة خلق.
ثم كان البرلمان وكنت المتنور منا جميعا و كنت تخبرنا بما يحدث و بما سيحدث٫ و نلتقي عندك بمشاهير النواب و بالرئيس السابق للبرلمان الاخ محفوظ علي بيبا الذي تفطن بذكائه المعروف لسيمك و نبل قلبك فترأست معه اللجنة الإقتصادية أين حاولتما معا بلطف و ذكاء إرساء منظومة رقابية و مالية فعالة و ذات مصداقية٫ لو إستمرت لكنا اليوم أفضل حالا بكثير مما نحن عليه. عهدات مرت٫ و أخري جاءت٫ و المياه تجري من تحت الجسور٫ و أنت أنت لا تتبدل و لا تتغير لأنك من معدن أصيل نادر لا يزيده الزمن إلا صقلا و لمعانا و نبلا.
لن أمر علي مراحل الهلال العصيبة٫ و لا علي تيمور الشرقية و ما عانيته أنت و الأخ محمد سلامة٫ ولن أذكر عبوركم المتكرر للصحاري التي لطالما عبرتموها بجلد و صبر و كبرياء و كأنكم تتنعمون في جنات العريف٫ او في جنات عدن٫ فأنتم تعبرون كل الطرق باسمين متفائلين تمشون بإقتدار و أناة دون شكوي أو تذمر أو خوف أو رجاء. كنت احسدكم علي ذلك و طلبت منكم مرارا ان تعلموني ذلك الفن الراقي في مجاراة الحياة و عدم أخذها بأكثر مما ينبغي من الجد.
عشت معك لحظات حزن كبيرة بقدان الجدة العظيمة مريم نفعي التي كانت الركيزة القوية للعائلة والأساس المتين لها٫ ثم رحيل الجد العظيم العبد (أمحة) الذي كان من طينة والدكم محمد يحي ينتميان معا لعالم الملائكة أكثر مما ينتميان للبشر بطيبتهم التي تتجاوز كل الحدود٫ و كان الحزن أكبر قبل ذلك وبعده في وفاة الخالين العزيزين علر قلبك سلامو و أعلي سالم العبد٫ تغمد الله الجميع بواسع رحمته. كنت تعيش الحزن بصمت و صبر و توآدة٫ لقد كنت مميزا حتي في حزنك. أحيانا تغيب عنا و تسبح في عوالم بعيدة نجهلها٫ ولكن لا تطيل الغياب و تعود باسما طلق المحيا.
اليوم صار كل هذا ماضيا٫ و صرت أنا وحيدا في “دار الإيتام و المشردين والمطحونين والغلابة“ عند حمدي السالك؟ ما ذا أقول له الآن؟ و عندما يدخل علينا الضابط الفاضل حميد قادما من الناحية الخامسة٫ و يأتي أحمودة من البرلمان٫ويطل المفتش محمد لمين المحجوب٫ ماذا ساقول لهم؟ كيف سنتكلم؟ أي طعم بقي لجلساتنا؟ باي وجه سنقابل حرمكم؟ و أشد الأسئلة قسوة علي الإطلاق بآي وجه سأقابل علي سالم الصغير؟ كيف لا أبكي أمامه؟ كيف لا تريدني أن أنتحب و أبكي؟ لماذا يا حفيظ تضعني في كل هذه الإحراجات المميتة؟
لقد تركت لنا فراغا رهيبا يا صديقي٫ تركتنا٫ وهذا هو الخطير٫ نفهم أن باب الموت صار مفتوحا علي مصراعيه امامنا جميعا٫ وكلنا داخلين٫ الواحد تلو الاخر٫ كما قال صلحة٫ الدائرة تضيق٫ كنا نسمع عن الموت فقط٫ بعد ذلك صرنا نراها في من هو قريب و معروف لدينا٫ اليوم نعيشها نحن في لحمنا و جلدنا٫ نتذوق طعمها الحنظلي و نتجرعها بمرارة٫ و نشعر بعدم قدرتنا وعجزنا عن فعل أي شي لوقف قطار الموت الزاحف علينا جميعا.
هذا أول رثاء أكتبه لصديق٫ و آخر رثاء سأكتبه٫ أريد أن أرثيكم جميعا يا أصدقائي الأعزاء٫ وأريد أن أرثي نفسي معكم مرة واحدة٫ لأني أكره الرثاء و لا أطيق مرور العبرات الحارقة علي وجهي٫ لا أحب هذا الغرض الأدبي الذي يذكرني بتعاسة الجنس البشري و بتعاستي كإنسان٫ سأقول لكم رحمة الله عليكم جميعا٫ موتوا وعيشوا مثل حفيظ٫ أو لا تموتوا و لا تعيشوا! كان الطيبة تمشي علي قدمين٫ كان النبل يلبس لبوس البشر٫ كان المرح والفرح الذي يزرعه فينا٫ كان الأب الحنون لأبنائه والزوج المتيم لحرمه٫ كان نعم الصديق الصدوق. لقد فهمت الآن أخيرا لماذا غادرنا بسرعة٫ببساطة لأنه أنقي من أن يعيش في هذه الدنيا المدنسة٫ و أنبل من أن يحيي في هذا الزمن الموبوء. رحمك الله يا حفيظ و ألهمنا جميعا الصبر و السلوان. وكان الله في عون: حمة٫ سليمة٫ حياة٫ الغالية و علي سالم٫ وفي عوننا جميعا لأن خسارتنا فيك بقدر خسارتهم و بقدر خسارة الوطن الذي كنت تعبده و تخدمه و تحلم بالعودة له. سنعاهدك يا حفيظ بأننا سنعيش في ذلك الوطن أحرارا٫ أو سنرقد بجوارك مرتاحين أننا لم نخنك ولم نخذلك.
وداعا يا صديقي العزيز!

التعليقات

any other left block

صوت وصورة

المزيد من الأخبار