الرئيسية > أقلام حرة

نص أدبي بعنون " إطلالة وجع "، محمد اسلامة الدّاهي

نص أدبي بعنون " إطلالة وجع "، محمد اسلامة الدّاهي

20 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

تلبدت سماء المخيم بالغيوم فجأة.. الأعناق تشرئب إلى السماء والقلوب تتضرع والألسنة تلهج بالذكر..و القلق يصل القلوب المنقبضة المترقبة وتشي العيون الحائرة الزائغة، حين تلتقي، بما تجاهد القلوب في مداراته عبثا، فترتسم ظلال ابتسامة شاحبة لا تكاد تبين..تلك وجوه عركتها الحياة بتجاربها و باحت لها الصحاري بأسرارها فعرفت أن الغيوم ، على غير جري عادتها وقبل أن تتلاشى، قررت أن تلقي بثقلها على خيّم وبيوت طينية قد تتحمل لهيب الشمس المحرقة سنوات، لكنها ستسلم لا محالة لعبث المزن إن استمر ساعات.
تنشق السماء من فوق الرؤوس، تتصاعد الجلبة في الخيّم، والكبار يخرجون سراعا يجاهدون على رسم مجار للمياه من حول الخيم حتى لا تجرفها السيول؛ " ونّي هاه..ونّو..ونّو عن السيل "..
ويشتد هطول المطر، يحتمي الجميع بالخيّم، فلا مأمن اليوم للبيوت الطينية التي ستكون أول المستسلمين لغضب السماء.
تنهار الجدران تباعا..تتطاير بعض الخيم فتلجأ العائلات إلى الجيران الذين لا تزال خيّمهم صامدة..النساء والرجال يندفعون وألسنتهم لا تزال تلهج بالذكر والدعاء، يحكمون شد حبال الخيم و البعض يتشبث يالأعمدة و الركائز وآخرون يواصلون شق مجاري المياه حول الخيّم علّها تغري السيل فيرضى بها بديلا عن الخيم المرتعشة.. معركة غير متكافئة يخوضها أهالي المخيم في وجه مياه جارفة، لا يلتقط فيها الأهالي أنفاسهم حتى وإن امسكت السماء برهة..ذلك وقت مستقطع لا يكاد يكفي لتعزيز "دفاعات" الخيّم.
وحين تنجلي العاصفة و تركن السماء إلى صمتها المؤقت يطل القلق، وقد تمدّد في العيون الشاخصة، التي تنهمك في عدّ الخسائر؛ ذلك بيت قد عانق سقفه الأرض، وذلك مطبخ انهار و تلك خيمة استحالت خرقة تعزف بها الريح آخر سمفونيات الوجع قبل أن تودع المخيم.
تلهح الألسنة بالحمد على سلامة الروح، و والإنقباض لا يغادر النفس، فالدمار طال بيوتا طين وأثاث و أمتعة كلفت أصحابها سنين طوال من العرق و الجهد.
وحدها قلوب الصغار مستعصية على ذلك القلق المعربد؛ ينطلقون إلى خارج الخيم يتراكضون، غير عابئين بتحذيرات الكبار ولا بتهديداتهم، أهازيجهم سيف تحدّ؛ "زيدي، زيدي يا سحاب..ركّب ، ركّب يا النو" ... يشكلون حلقات يضربون الأرض بأرجلهم الصغيرة الحافية.. يتمايلون، يدورون حول أنفسهم في "رقصة إفريقية" تغري السماء بدخول اللعبة؛ "زيدي، زيدي يا سحاب" ...و تمطر السماء كما لم تمطر قبلا في هذه الأرض التي يبدو أنها تناكف "التوسط" العداء لتنفرد باسم على مسمى "آح ماذا"؛ ماذا من الحمان و ماذا من البرد؛ أرض يعانق قارسها لهيبها في تواطؤ استهدف ساكنها.
وحين تشكل الأمطار برك الماء تبلغ نشوة الصبية ذروتها، فيندفعون إلى المياه، وهم يستعرضون مهاراتهم في السباحة..قلق الكبار يتزايد، وهم يدركون ما تحمله هذه المياه من مخاطر، لكن المشهد الإحتفالي الذي يصنعه مرح الصبية يأخذ في التمدّد، بسماتهم، ضحكاتهم التي تشق عنان السماء، أهازيجهم تلامس حنايا القلب و تنبعث في العيون المتألقة ـ هذه المرة ـ لتنعكس على الشفاه التي ترسم ابتسامات أمل عريضة ينكمش معها الوجع على نفسه، وهو الذي يلازم أهالي المخيم، وينزاح إلى الطرف القصي في قلوب صعدت للتو درجا آخر في سلّم الظفر زادها ألم متجاوز وأمل عريض .. وبعض من وجع.

2015/10/19
محمد اسلامة الدّاهي.

التعليقات

any other left block

صوت وصورة

المزيد من الأخبار