الرئيسية > الأخبار

السياسة المغربية لحقوق الإنسان تجاه الصحراء الغربية.

السياسة المغربية لحقوق الإنسان تجاه الصحراء الغربية.

20 آب (أغسطس) 2015

محمد علي ندور
باحث في العلوم السياسية
دخلت مسألة حقوق الإنسان بالصحراء الغربية منعطفا جديدا إثر الاعتراف المغربي الرسمي للجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة المغربية (ASVDH)، في التسجيل طبقا للقانون المغربي، واشتراط عقد تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان للجمع العام قبل الحصول على وصل الإيداع، والمغرب بهذا الاعتراف يقر الحق للصحراويين في تأسيس وإنشاء المنظمات المدنية والأهلية، في أفق المرافعة عن حقهم في تأسيس الإطارات والتنظيمات السياسية.
هذا الحدث الذي من المفترض أن يلاقي ترحيبا مطلقا وحفاوة واسعة، وأن تقام له الندوات وتعقد له المؤتمرات وتنظم لشأنه المناظرات وحلقات النقاش وورشات العمل، باعتباره حدثا تاريخيا وأهم مكسب حقوقي وأوضح تعبير عن إرادة الصمود في انتزاع الحقوق المشروعة، لم يجد، في المقابل، من لدن الأوساط الصحراوية الفاعلة والمدافعة عن حقوق الإنسان الرسمية والتابعة والمستقلة تلك الاستضافة المرجوة، وكأن الأمر شكل انكسارا وانهزاما ونكسة حقوقية.
فالجمعية الصحراوية بصفتها المعني الأول بالموضوع، وفي معرض نفيها لما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الغربية، كون الحكومة المغربية اعترفت رسميا لها بالتسجيل، أصدرت لذلك بيانا من ثلاث صفحات كذبت فيه ما خطه قلم الأمين العام المذكور، قبل ذلك بثلاثة أشهر، واكتفت أياما قليلة فقط من إصدار ذلك البيان/التقرير، والذي حشي بما لا يطيق، بإصدار بلاغ يتيم ومقتضب، يفيد أن السلطات المغربية بالعيون سلمت الجمعية وصلا مؤقتا مقابل الملف القانوني الذي وضع منذ أزيد من عشر سنين لدى هاته السلطات.
وإن كان هذا حال الجمعية الصحراوية والتي لها بالمناسبة أن تفخر وتشمخ بهذا الحدث ولها أن تعتز بمكسبها وليس تعتر، وتخزى وتَذَل، فإن باقي الفاعلين في المجال لم يرحب بالأمر ولم يهنئ الجمعية بما حققته، وهو ما يطرح عديد علامات الاستفهام.
10 سنوات مرت حتى تنفذ الدولة المغربية أحكام قضاءها، وتلين للدعوات الدولية، وتنصاع لتوصيات الآليات الأممية لحقوق الإنسان، في أمر أبسط ما يكون، ولا يتعدى كونه تسجيل جمعية، وأن انتظار مدة بهذا الطول حتى يتحقق هذا يوحي أنه من سفه القول التعويل على كل ما ذكر لإحراز بعض من التقدم في مسيرة الاستفتاء على تقرير المصير.
الواضح أن الإستراتيجية المغربية في هذا الإطار، والتي صارت تتضح بعض من تجلياتها خاصة إثر زيارة المقرر الخاص بمناهضة التعذيب وتأكدت مع زيارة المفوضة السامية لحقوق الإنسان، قد إنبنت في شق من معالمها على:
استعداد المغرب التعامل مع الآليات الدولية التي يضعها مجلس حقوق الإنسان، وفي مقدمة ذلك تنظيم زيارات للمقررين الخاصين والفرق العاملة، وبالتالي الظهور، اتجاه المنتظم الدولي، بمظهر المحترم لحقوق الإنسان في مقابل ضعف الفعالية المدنية والسياسية الموازية.
فتح المجال للنشطاء من داخل الإقليم للتنقل والسفر للخارج والرجوع بكل حرية، دون الاعتراض على أية نشاطات لهم تقام خارج تراب الصحراء الغربية، والبروز كبلد ديمقراطي يقر حق معارضي تواجده بالإقليم في مزاولة كامل نشاطاتهم دون تعرض أي منهم للمضايقة؛ في مقابل ذلك انتهجت السلطات المغربية سياسة ممنهجة تستهدف المنع أو التضييق على تنظيم المدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين والنقابيين وباقي الفعاليات المدنية بالداخل لأية نشاطات “على نزارتها”، تتغيَّ رصد وكشف انتهاكات وتجاوزات هاته السلطات لحقوق الإنسان، أو تلك النشاطات الرامية إلى النهوض بثقافة حقوق الإنسان بالإقليم.
إغلاق الإقليم في وجه كل منظمة أجنبية أو نشطاء متضامنين مع القضية الصحراوية ومنعهم، باستثناء حالات شاذة لا يقاس عليها، من ممارسة أي نشاط داخل الإقليم أو إعمال آليات الرصد والتقرير المستقل عن الوضع في الإقليم.
المعالم الثلاث السابقة ساهمت ضمن نفس الإستراتيجية إلى إبراز اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان التابعة للمجلس المغربي لحقوق الإنسان، بصورة الفاعل الوحيد على الساحة، وتدعم ذلك بتغزير نشاطها الباثق، حتى وإن خرج بعضه عن أولويات اهتمامات الساكنة، هذا إلى جانب التغطية الإعلامية المحترفة المرافقة لذلك، ضف إلى ذلك دعم بعض نشطاء حقوق الإنسان الصحراويون، بقصد أو عن غير وعي لأدوارها، ليدرك بالتالي المغرب النتيجة التي تغيّاها مجلس الأمن الدولي من خلال قراراته حين إعترف بهاته اللجنة وأقر لها بالاختصاص، ولعل هذا كان حديث نقطة من موضوع مقال سباق بعنوان “بعثات حفظ السلام الأممية ومسألة حقوق الإنسان.
من الجلي أن هاته الإستراتيجية، التي ذكر بعض أسسها، من غير المقبول بتاتا الارتهان في مواجهتها إلى إجراءات متآكلة ومرتجلة ومشتتة تعتمد على الحدث واليومي وإنتاجات الشارع العفوية، ولا ترقى حتى إلى درجة التدابير وبالأحرى تتسنَّم إلى مستوى السياسات.
وبالعودة إلى موضوع تسجيل الجمعية الصحراوية، والتي طالما احتبست عملها بالحصول على الاعتراف القانوني، فهي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مدعوة إلى التحلي بالواقعية في الاشتغال، وتركيز رهانها على الداخل وليس الخارج، وذلك بصياغة مشروع حقوقي متكامل، وفق برامج طموحة تعتمد في إعدادها وأجرأتها على تجديد طاقاتها البشرية وتشبيب خبراتها وفتاوة كفاءات، في ظل ما تتخبط فيه الجمعية وباقي “الفاعلون” من غياب للرؤى والتصورات في مجال حماية حقوق الإنسان، والنهوض بها، والترافع عنها في مقابل منهجت الانتهاكات المغربية لهذه الحقوق وعلى مختلف الأصعدة والتي مست مختلف أجيالها المدنية والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وجيلها الثالث خاصة الحقوق البيئية، وهذا بالضبط ما سبق وان عبرت عنه من خلال المقال الموسوم بــ”حملة للتوسيع أم من أجل التضييق” والذي جاء إثر إطلاق الحملة الوطنية والدولية من أجل توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، يناير 2014.
الجمعية الصحراوية مدعوة اليوم أن تعقد للرأي العام الصحراوي ندوة صحفية توضح من خلالها أمرين أساسيين، يتعلق الأول بشرح وقائع الحصول على الاعتراف القانوني وكشف كل ملابسات هذا الموضوع، في ظل ما نراه وكما أشرنا له سابقا من عدم ترحيب مدني ورسمي صحراوي بهذا الاعتراف بالتسجيل، والأمر الآخر فهو يهم عرض خطة عملها المستقبلية.
ومن باب الاستئناس فقط، واعتبارا لكونها المدافع الأول عن حقوق الضحايا، فالجمعية الصحراوية مطالبة بعد الاعتراف بها بالرد بصفة رسمية على المجلس المغربي لحقوق الإنسان للكشف عن الحقيقة الكاملة بخصوص ملف مجهولي المصير قبل أن يعمد فريق العمل حول الاختفاء القسري إلى الإغلاق النهائي والطي التام لهذا الملف بعد زيارته للمغرب، الجمعية كذلك مطالبة بالعمل للضغط على المجلس المذكور لفتح تحقيق عاجل حول المقبرة الجماعية التي تم اكتشافها مؤخرا، ومدعوة أيضا لوضع برنامج عمل يلزم الدولة المغربية بالاعتراف الرسمي بأماكن الاختفاء القسري الموجودة في الصحراء الغربية، على غرار ما تم داخل المغرب كقلعة مكونة وتزمامارت وغيرها، حتى لا يتم هدمها وتغيير معالمها كما فعلت مع موقع “البيسي سيمي” السيئ السمعة.
الجمعية الصحراوية مطالبة بالبحث عن مقر يمكنها من العمل بصفة رسمية، واستقبال الضحايا فيه، والوفود الأجنبية إن سمح لهم بالدخول، وتنظم فيه أنشطتها الحقوقية، للتنفيس عن اللجان والجمعيات التي أصبحت تقيم أنشطتها بصفة سرية حتى لا يتم محاصرتها ومنعها، وهذا سيضع السلطات المغربية على المحك الحقيقي حول ما إذا كانت فعلا لها الإرادة السياسية لتسمح للحركة الحقوقية الصحراوية بالعمل والاشتغال بصفة قانونية ومشروعة أم لا.
والجمعية الصحراوية ليست المعني الوحيد بهذه المواضيع، فهي تشترك مع تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان (كوديسا) والذي طالما بدوره إرتهن إلى المنع الذي تعرض له من طرف السلطات المغربية، هاته الأخيرة والتي يقال أنها، في ظل عدم نفي من الكوديسا، اشترطت على هاته الأخيرة عقد جمعها العام لتحصل على التسجيل الرسمي، مما يطرح علامة استفهام لما تأخير أو تجنّب عقد هذا الجمع العام، وهنا تشترك المنظمتين معا في لزوم استحداث هياكلهما وعقد مؤتمراتهما وتجديد نخبهما وأطرهما، بشكل دوري ومنتظم.
إن ارتقاب عشر سنوات حتى يمنح المغرب تنازله “العملاق” “الباهض الثمن”، في تسليم وصل لجمعية من المفترض أنه يسلم فورا، ويسوقه للمنتظم الدولي على أنه إنجاز وانفراج في مجال حقوق الإنسان، يدعو إلى طرح تساؤلات عن كم من الوقت يجب الانتظار حتى يعقد مجلس الأمن إحدى جلساته بالإقليم، أو على الأقل يزور بعض أعضاءه هذا الأخير؟ وكم من الوقت يلزمنا ارتقابه لكي يتم توسيع صلاحيات المينورسو؟ وهل تحضر الآجلة قبل مجيء استفتاء تقرير المصير.
إن منتظما على رأسه هيئة لم يعد بمقدورها أن تعد وتصِيغ تقريرها عن الوضع في الإقليم إلا بمشاورة مع مديره، لا يَرتهِن لها في تحقيق مكاسب سياسية إلا أصحاب غبش الرؤى وسفه القول، وعطن الفعل.

التعليقات

صوت وصورة

المزيد من الأخبار